محمد حبيدة، عصر وسيط أم عصور وسطى؟

عصر وسيط أم عصور وسطى
نص مقتطف من الكتاب الرائع للمؤرخ محمد حبيدة "تاريخ أوربا من الفيودالية إلى الأنوار"
اعتاد المؤرخون ومؤرخو الفن ونقاد الأدب والفلاسفة وعلماء اللاهوت في فرنسا وإيطاليا وألمانيا نعت هذه المرحلة من تاريخ أوربا ب "العصر الوسيط" (moyen Age) فيما جرى العمل لدى المؤرخين الإنجليز بمصطلح "العصور الوسطى" (Middle Ages) في إشارة إلى وجود فترات متعددة ومتميزة داخل هذه الحقبة الطويلة من التاريخ. ويتفق معظم الأخصائيين على تقسيم العصر الوسيط إلى مرحلتين كبيرتين: "العصر الوسيط الأعلى" أو ما يسميه الإنجليز ب"العصور الوسطى المبكرة" و"العصر الوسيط الأسفل" أو "العصور الوسطى المتأخرة". ويمتد العصر الوسيط الأعلى إلى حدود القرن الحادي عشر. ولا يتوفر المؤرخون على مصادر كثيرة بخصوص هذا العصر، إذ أن أرشيفات هذه المرحلة تتكون من الحوليات والإخباريات والمراسلات والعقود الرسمية وسِير القديسين، وكل هذه النصوص تلقي الأضواء، أولاً وقبل كل شيء، على التاريخ السياسي والديبلوماسي والديني. أما باقي المجالات، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فتصعب دراستها انطلاقا من الوثيقة المكتوبة فقط. ولذلك فإن البحث في هذه الحقبة يقتضي بالضرورة اللجوء إلى العلوم المساعدة للتاريخ كعلم الآثار وعلم أسماء الأماكن وعلم النقود، التي مكنت نتائجها من سد العديد من الثغرات التاريخية.
ومن جهة أخرى، تشير عبارة "عصر الظلمات" على الرغم مما تنطوي عليه من مغالطات، إلى هذه المرحلة من العصر الوسيط وليس إلى العصر بأكمله. وهذه المرحلة، في حقيقة الأمر، هي مرحلة حرب وتبشير. فقد كان على أوربا مواجهة موجات متتالية من الغزوات الأجنبية واحتوائها بأشكال مختلفة بدءًا بغزوات الهون، ومرورا بهجمات العرب والهنغاريين، وانتهاءً بتوسعات النورمانديين. كما فتح الأوربيون أذهانهم للمسيحية ومؤسساتها خلال هذه المرحلة، أي إلى حدود عام 1000. وعليه، كما يقول جاك لوغوف "فإنه ابتداءً من القرن الحادي عشر لا يمكن إطلاقاً الحديث عن عصر الظلمات لنعت العصر الوسيط، الذي يرى فيه الزمنُ الراهنُ طفولَتهُ، أي الانطلاقة الحقيقية لأوربا، مهما كانت أهمية الموروثات اليهودية والمسيحية والاغريقية والرومانية والجرمانية التي احتضنها المجتمع الوسيطي".
وبصفة عامة، يمكن اختزال معطيات هذه المرحلة في النقط الآتية:
- سياسياً: تغير الخريطة السياسية بأوربا عقب انهيار الإمبراطورية الرومانية وقيام الممالك الجرمانية، وهيمنة الاضطراب السياسي والعسكري، بسبب التطاحن العسكري بين هذه الممالك وتنافس الأمراء على الحكم، وتعرض جهات عديدة من أوربا لغزوات الهنغاريين والمسلمين والنورمانديين.
- اقتصاديا: اقتصاد فلاحي مغلق وركود التقنيات، وجمود التبادل التجاري والنقدي، وضعف التمدن، واستمرار أشكال العبودية.
- ثقافياً: سيادة الجهل وسيطرة الكنيسة والثقافة الدينية على المجتمع.
وفي القرن التاسع والعاشر بدأ يتشكل نظام اقتصادي واجتماعي جديد هو النظــــــــــام الفيودالي الذي نشأ في خضم الشتات السياسي وانعدام الأمن الناتجان عن انهيار الإمبراطورية الكارولنجية والغزوات الخارجية، والذي اتضحت معالمه في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، مع ما احتواه من إمكانيات التطور في هذه الفترة بالذات على مستوى تطويع المجال وتطور التقنيات الزراعية وتزايد أعداد السكان وتحولات جنينية أخرى مست البنيات الاقتصادية والاجتماعية عموما. وهذا ما جعل بعض المؤرخين ينعتون هذه الفترة بـ"طفولة أوربا".
وبالمقارنة مع العصر الوسيط الأعلى يتوفر المؤرخون بخصوص العصر الوسيط الأسفل، الذي ينطلق عموما من القرن الحادي عشر، على مصادر كثيرة ومتنوعة. فإلى جانب المصادر الإخبارية هناك تقاييد الأديرة وأعراف الجماعات القروية وكنانيش الأبرشيات والبلديات وسجلات التجار ومراسيم الملوك وغيرها من الوثائق التي تمكن الباحث من رصد الجوانب الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية.
ويختلف تعامل المؤرخين الأوربيين مع هذه المرحلة من الوجهة الزمنية. فالمدرسة الفرنسية عادة ما تميز ضمن هذه المرحلة بين فترتين متباينتين: الفترة الأولى تمتد من القرن الحادي عشر إلى القرن الثالث عشر، وهي فترة تحول اقتصادي كبير، إذ عرفت أوربا اتساعا المجال الزراعي، وتطورا في التقنيات الفلاحية، ورواجا في المدن، ونشاطا في الصناعات الحرفية والتبادل التجاري والنقدي. كما عرفت جهودا سياسية كبيرة من طرف الملوك من أجل الحد من سلطة الفيوداليات المحلية وتحقيق الوحدة السياسية. وقامت خلال هذه الفترة الحروب الصليبية التي أوصلت الأوربيين إلى الشرق العربي الإسلامي، وتمكنت فيها الممالك المسيحية الاسبانية من شن حرب استرداد ضد الامارات الإسلامية بالأندلس. أما من الناحية الثقافية فقد تعددت المدارس بالمدن وظهرت الجامعات ولم يعد النظام التعليمي يقتصر على اللاهوت بل انفتح على معارف أخرى كالفلسفة والقانون والطب، كما انفتح على التراث اليوناني عن طريق الترجمات العربية. وينعت جاك لوغوف هذه الفترة بــ"قلب العصر الوسيط" وتتوقف عند وباء 1348.
أما بالنسبة للفترة الثانية فتمتد من أواسط القرن الرابع عشر إلى أواسط القرن الخامس عشر. وهذه الفترة هي التي تعرف بـ"الأزمنة العصيبة"، إذ عرفت خلالها أوربا طاعون 1348، وثورة الفلاحين عام 1358، وحرب المائة سنة بين الفرنسيين والانجليز ما بين 1337 و 1453. وعلى الرغم من هذه الأزمات فإن التطور الاجتماعي لم ينقطع، إذ أن فترات الخراب والدمار كانت تتلوها دائما فترات العمل وإعادة الإعمار. وبالفعل لا يقترن هذا المقطع الزمني بالأزمة وحدها، وإنما أيضا بفترة في غاية الأهمية بالنسبة لتاريخ أوربا، هي التي مهدت للعصر الحديث على مستوى السياسة والمؤسسات والتجديد الفكري. لقد شكلت هذه الفترة انتقالا حقيقيا من الدولة الوسيطية إلى الدولة الحديثة، من المونارشية الفيودالية إلى المونارشية المطلقة، إذ بدأت تتضح معالم الدولة من الناحية السياسية والإدارية، كما تدعمت المجالس التمثيلية وشرعت الفعاليات الفكرية في الانفتاح على أفكار الفلاسفة الاغريق ومُساءلة النسق الثقافي القائم.
أما المدرسة الأنجلوساكسونية فتتجه في المدة الأخيرة إلى التعامل مع العصر الوسيط بمفهومه الفيودالي الصرف ابتداءً من عام 1066 الذي يوافق دخول النورمانديين إلى إنجلترا، ناقلين إليها المؤسسات الفيودالية الفرنسية. ومن ثم فإنهم يمددون ما يسمونه بـ"العصور الوسطى المبكرة" إلى غاية القرن الثالث عشر، بل وإلى أوائل القرن الموالي، مع الأخذ بعين الاعتبار التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي حصلت في هذه الفترة. أما المرحلة التي يسمونها بـ"العصور الوسطى المتأخرة" فإنها تبدأ برأي العديد منهم مع نهاية القرن الثالث عشر وخاصة سنة 1272 التي تحيل إلى اعتلاء إدوارد الأول العرش وتدشينه مسلسل بناء الدولة القومية بإنجلترا، وتمتد إلى نهاية القرن الخامس عشر وتحديداً سنة 1485، التي يكاد يتفق عليها المؤرخون الإنجليز من أمثال جورج هولمس وموريس كين. ففي هذه السنة انتهت حرب الوردتين التي مكنت سلالة تيودور، بواسطة هنري السابع، من السيطرة على الحكم والدفع بالبلاد باتجاه دولة حديثة حقيقية تستند إلى بورجوازية المدن ورجال القانون، على حساب القوى الفيودالية والكنيسة. وهذه المرحلة هي التي يتعامل معها هاري ميسكِمين كنهضة مبكرة في تاريخ أوربا، بحكم التطورات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة التي حصلت خلالها.
ومهما يكن من أمر هذه التحديدات، سواء تعلق الأمر بسنوات 1415 أو 1453 أو 1485 أو 1492 أو حتى 1517، التي توافق جميعها منعطفات هامة في تاريخ أوربا، وفي تاريخ العالم عموما، كما سنرى في موقع لاحق من هذا الكتاب، فإن العصر الوسيط يكون قد انتهى بنهاية السنوات الأخيرة من القرن الخامس عشر.
محمد حبيدة
تاريخ أوربا من الفيودالية إلى الأنوار، منشورات دار أبي رقراق، الرباط، المغرب، الطبعة الثانية، ص 18؛19؛20؛21 و22




تعليقات